كلمة العميد

حريّ عن القول أن تصوّر «رؤية إعلامية» لدولة مزقتها الحرب الأهلية بعد عقود طويلة من الحكم الاستبدادي مهمة شاقة لا تخلو من الصعوبات والعقبات. وهذا بالضبط هو التحدي الذي يواجه عدة بلدان اندلع فيها الربيع العربي في عام 2011


ما من مكان آخر تتجلى فيه هذه الحقيقة بوضوح أكثر من ليبيا، حيث كانت الصحافة شبه مملوكة بالكامل للدولة، وتلاشت المؤسسات والبنية التحتية التي تدعم عادة حرية التعبير والإعلام المستقل في ظل حكم معمر القذافي الذي دام 40 عاماً.
وكان هذا الظرف بالضبط هو الذي حفز اهتمام «جامعة نورثويسترن في قطر» لدعوة الحكومة الليبية ووسائل الإعلام لبحث الانضمام إلى مؤتمر «المساعي الإيجابية»، من أجل التفكير بصورة إستراتيجية حول وظيفة ودور وعمليات المنظومة الإعلامية الجديدة التي تنشأ في بلدهم. حظي هذا المؤتمر برعاية المجلس الوطني الانتقالي الذي يتولى حكم ليبيا حالياً، وعقد في العاصمة القطرية الدوحة يومي 10-11 ديسمبر 2011، وجمع تحت مظلته 17 من المؤتمرين المسؤولين عن صياغة السياسة الإعلامية وتوجيه عمليات الإعلام.

يلخص هذا التقرير جوهر مؤتمر «الرؤية الإعلامية لليبيا: مؤتمر المساعي الإيجابية»، الذي استمر لمدة يومين وكانت جامعة نورثويسترن فيه بمثابة منصة محايدة، ووسيطاً لحوار مفعم بالحيوية يهدف إلى تسليط الضوء على حرية التعبير، والسياق الليبي، والخطوات اللازمة لضمان الإعلام الحر والمستدام.

ويأتي التقرير بمثابة صورة لإطار زمني تسرد الحوارات التي دارت بين المشاركين، أكثر منها دراسة شاملة لوضع الإعلام الليبي أو خطة إستراتيجية لمستقبلهم. وتضمنت الفعالية نقاشات تناولت المعرفة المنهجية حول رقابة الإعلام، والإعلام الاقتصادي، وسياسة تكنولوجيا الإعلام، إضافة إلى التعليم والتدريب، واستندت جميعها إلى التجارب والخبرات المتميزة. وأثمرت الفعاليات التي شهدها المؤتمر عن إعلان جملة من المبادئ المتعلقة بحرية الإعلام والإعلام المستقل، علاوة على خطة عمل مبدئية للانطلاق في هذه العملية.

وفي حين مثل المؤتمرون بالكامل بلدهم والقطاع الإعلامي فيها، إلا أن تجاربهم في الحكومة أو الإعلام تنوعت بين المحدودة والمعدومة في بعض الحالات. إضافة إلى أن مسيرتهم كصوت للواقع من ليبيا كانت أيضاً غير مؤكدة. وفي واقع الأمر، تقدم رئيس الوفد ونائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي بصورة مثيرة للجدل بعد ثلاثة أسابيع من المؤتمر، في استجابة للمظاهرات الحاشدة التي لم يكن لها أساساً علاقة بهذا المؤتمر ونتائجه.

ويتضمن هذا التقرير لمحة عن كل واحدة من جلسات المؤتمر الرئيسية، بدءاً من العروض التوضيحية الرسمية تليها الأسئلة والتعليقات، إضافة إلى موجز للآراء التي أجمع عليها المؤتمرون. وستجدون هنا أصوات المؤتمرين أنفسهم أثناء سعيهم إلى التغلب على التعقيدات وأوجه الاختلاف الدقيقة في سبل تطوير وسائل الإعلام في أعقاب سقوط الديكتاتورية الغاشمة واستمرار النزاع في بلدهم. ومن منطلق الوفاء للآلام التي قاستها ليبيا، أتاح المؤتمر للبلاد فرصة نادرة بالفعل للبدء في إعادة رسم ملامح منظومتها الإعلامية.

لي هذا تقرير موجز عن مداولات «الرؤية الإعلامية لليبيا» ونتائجها. وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر حقق استفادة كبيرة من مشاركة الدكتور نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، والذي أشار إلى أهمية حرية الإعلام بالنسبة لدولة ترغب بأخذ موقعها كعضو مرموق في المجتمع الدولي.

يبقى أن نقول أننا مدينون بالشكر للاقتصادي الإعلامي روبرت بيكارد من «معهد رويترز» في «جامعة أكسفورد»، وجويس بارناثان مسؤولة التدريب الإعلامي في «المركز الدولي للصحفيين» وروبرت بيبر خبير السياسات التقنية من شركة «سيسكو سيستمز»، لما قدموه من عروض توضيحية مطلعة وجهت دفة المناقشة، وساعدت على صياغة الخيارات والاختيارات.

ونتقدم أيضاً بالشكر الخاص لباتريك فوربس من « فوربس أسوشيتس»، الذي ساهم عمله الشجاع ومفاوضاته المتميزة في ليبيا في إتاحة فرصة عقد المؤتمر وغيرهم ممن ساعدوا في جامعة نورثويسترن في قطر والمجلس الوطني الانتقالي.

الدكتور ايفيريت دينيس

العميد والرئيس التنفيذي لجامعة نورثويسترن في قطر

Sitemap