الاقتصاد الإعلامي

على مر العصور، شكلت الثورات أحداثاً رائدة لخلق الإعلام نظراً لسعي الناس إلى فهم المجريات والتعبير عن وجهات نظرهم بشأن كيفية المضي قدماً. ولكن معظم الوسائل الإعلامية لم تجهز أساساً لأهداف تجارية. وبالتزامن مع عودة الاستقرار، غالباً ما يبادر الأثرياء الذين ساعدوا في تأسيس الإعلام لأغراض سياسية إلى سحب تمويلهم، بينما تجبر الاعتبارات التجارية قوى أخرى على إغلاق هذه الوسائل، ما يؤدي بالتالي إلى تضيق المجال.

وفي ضوء الدور البارز الذي يلعبه الإعلام الحر في الديمقراطية، فكيف يمكن لليبيا أن تعمل على قطاع إعلامي حيوي وناجح على الصعيد التجاري؟ كانت هذه هي القضايا التي تطرق إليها البروفيسور روبرت بيكارد من «معهد رويترز» في جامعة أكسفورد، في كلمته التي حملت عنوان: «قضايا في بنية الإعلام، والملكية، والحوكمة والتمويل في بلدان المراحل الانتقالية».

تحتضن ليبيا تعداداً سكانياً منخفضاً نسبياً، يبلغ حوالي ستة ملايين نسمة يتوزعون على مساحة واسعة، الأمر من شأنه خلق مشاكل في التوزيع. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع نسبة البطالة وخاصة في المناطق الريفية وعدم وجود رأس المال الخاص، يعني محدودية التمويل المحلي. فكلا النشاط الإعلاني المحلي والدولي محدودين إلى درجة كبيرة نظراً للبنية التجارية في ليبيا.

وأوضح بيكارد أن القضية الأكثر إلحاحاً تمثلت في توفير قاعدة قانونية قصيرة الأمد لقطاع الإعلام من خلال تحديد المنافذ الحالية وإصدار بعض القوانين البسيطة والمؤقتة لتوفير الاستقرار الأولي. ويمكن بعد ذلك تأجيل القرارات طويلة الأمد لتنظر فيها الحكومة الجديدة، إلا أنه اقترح أن تقدم الحكومة جملة من الحوافز للمستثمرين في الإعلام من أجل خلق قطاع إعلامي بتمويل غير حكومي.

ومن ثم، تطرق بيكارد لمسألة ما ينبغي فعله حيال الإعلام الحالي الذي تديره الدولة، معدداً مزايا وعيوب السماح له بالاستمرار على وضعه الحالي، وإعادة هيكلته كإعلام لخدمة الجمهور، أو اختيار خصخصته بالكامل. وقد يبدو الخيار الأخير أكثر بساطة لكونه يدر دخلاً ويزيل الجزء الأكبر من رقابة الحكومة، بيد أن بيكارد أوضح أن ذلك قد يثير التساؤلات حول مسائل ملكية ودوافع الممسكين بزمام القيادة. وقد تسهم ملكية الأجانب على وجه الخصوص في استقدام الخبرات ورؤوس الأموال التي يحتاجها القطاع بصورة ملحة، ولكن الأرباح سيتم تصديرها وستصبح الملكية موزعة أكثر. أضف إلى ذلك أنها تثير التساؤلات حول ما إذا كان التمويل الإعلاني سيكون كافياً لتلبية احتياجات الإعلام الوطني.
وأضاف بيكارد أنه يمكن تطبيق قوانين مختلفة على قطاعات الإعلام المختلفة.

وسواء كان الإعلام سيبقى مملوكاً من قبل الدولة بصورة جزئية أو كاملة، فقد سلط بيكارد الضوء على عدد من النماذج من مختلف أنحاء العالم لضمان التوصل إلى القوانين التنظيمية السليم دون أي تدخل، مثل هيئات الحوكمة.
واختتم بيكارد بلمحة موجزة عن الأنظمة الاقتصادية المختلفة لأشكال مختلفة من الإعلام، موضحاً أن تكاليف خلق المحتوى أعلى في التلفزيون، في حين يعد التوزيع الأعلى كلفة في مجال الإعلام المطبوع. كما شدد أيضاً على أهمية الربط بين الدخل الإعلاني للشركات الإعلامية وبين حجم الجمهور، والذي يعد صغيراً للغاية في ليبيا. وبالتالي، فإن تشتيت قطاع الإعلام سيؤثر إلى حد كبير على استقرار كل وسيلة من وسائل الإعلام.

وتعد هذه اعتبارات هامة مثل سياسة الحوكمة التي ستقود دفة توجيه قطاع الإعلام، ما يعني أنه على الحكومة أن تقرر ما إذا كانت تريد بناء إعلام وطني أو إقليمي. ولكل من هذين الخيارين مزاياه وعيوبه، ولكن القرار يبقى في نهاية المطاف بيد الليبيين.


المناظرة

بدأ النقاش بتناول سياسة الترخيص في ليبيا، حيث يتيح ترخيص واحد حالياً الوصول إلى الإذاعة، والصحافة والتلفزيون، وتم الإجماع على أن هذه الطريقة تمنح المرخص له الكثير من الهيمنة.

واتفق الجميع على ضرورة الفصل بين تراخيص الطباعة وتراخيص البث، كما ينبغي أن يطلب من وسائل الطباعة الحالية أن تخضع لعملية تسجيل بسيطة للاعتراف بها.

أما من ناحية البث، فهو يتطلب المزيد من التشريعات نظراً لأن هذا القطاع محصور بالموارد العامة، ولذلك تم الاتفاق على عدم قيام الحكومة المؤقتة باتخاذ قرارات طويلة الأمد. وبكافة الأحوال، سيجري إصدار التراخيص قصيرة الأمد لجعل جهات البث مسؤولة عن المحتوى الذي تقدمه، والوفاء بالالتزامات الدولية.

وتجدد النقاش حول الدور الذي ينبغي على الإعلام الرسمي أن يلعبه في الانتخابات المقبلة، في ظل اقتراحات بأن يتم تشكيل هيئة توجيهية لضمان تمكين جميع الأطراف من الوصول إلى البث. وتم أيضاً التركيز على الدور الذي يمكن للإذاعة أن تؤديه في تقديم عدد وافر من وجهات النظر، في حين تم اقتراح توفير التدريب للصحافيين الشباب كي يتم تزويدهم بالمهارات التي يحتاجونها لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفترة الحاسمة.

ولخص العميد دينيس هذه الجلسة لافتاً إلى أن القضية الرئيسية بدت وكأنها إضفاء الشرعية على الجهات الحالية، ومن ثم المضي قدماً نحو وضع أساس للتنمية المستقبلية من خلال القوانين التنظيمية المناسبة.


 

على مر العصور، شكلت الثورات أحداثاً رائدة لخلق الإعلام نظراً لسعي الناس إلى فهم المجريات والتعبير عن وجهات نظرهم بشأن كيفية المضي قدماً. ولكن معظم الوسائل الإعلامية لم تجهز أساساً لأهداف تجارية. وبالتزامن مع عودة الاستقرار، غالباً ما يبادر الأثرياء الذين ساعدوا في تأسيس الإعلام لأغراض سياسية إلى سحب تمويلهم، بينما تجبر الاعتبارات التجارية قوى أخرى على إغلاق هذه الوسائل، ما يؤدي بالتالي إلى تضيق المجال.

وفي ضوء الدور البارز الذي يلعبه الإعلام الحر في الديمقراطية، فكيف يمكن لليبيا أن تعمل على قطاع إعلامي حيوي وناجح على الصعيد التجاري؟ كانت هذه هي القضايا التي تطرق إليها البروفيسور روبرت بيكارد من «معهد رويترز» في جامعة أكسفورد، في كلمته التي حملت عنوان: «قضايا في بنية الإعلام، والملكية، والحوكمة والتمويل في بلدان المراحل الانتقالية».

تحتضن ليبيا تعداداً سكانياً منخفضاً نسبياً، يبلغ حوالي ستة ملايين نسمة يتوزعون على مساحة واسعة، الأمر من شأنه خلق مشاكل في التوزيع. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع نسبة البطالة وخاصة في المناطق الريفية وعدم وجود رأس المال الخاص، يعني محدودية التمويل المحلي. فكلا النشاط الإعلاني المحلي والدولي محدودين إلى درجة كبيرة نظراً للبنية التجارية في ليبيا.

وأوضح بيكارد أن القضية الأكثر إلحاحاً تمثلت في توفير قاعدة قانونية قصيرة الأمد لقطاع الإعلام من خلال تحديد المنافذ الحالية وإصدار بعض القوانين البسيطة والمؤقتة لتوفير الاستقرار الأولي. ويمكن بعد ذلك تأجيل القرارات طويلة الأمد لتنظر فيها الحكومة الجديدة، إلا أنه اقترح أن تقدم الحكومة جملة من الحوافز للمستثمرين في الإعلام من أجل خلق قطاع إعلامي بتمويل غير حكومي.

ومن ثم، تطرق بيكارد لمسألة ما ينبغي فعله حيال الإعلام الحالي الذي تديره الدولة، معدداً مزايا وعيوب السماح له بالاستمرار على وضعه الحالي، وإعادة هيكلته كإعلام لخدمة الجمهور، أو اختيار خصخصته بالكامل. وقد يبدو الخيار الأخير أكثر بساطة لكونه يدر دخلاً ويزيل الجزء الأكبر من رقابة الحكومة، بيد أن بيكارد أوضح أن ذلك قد يثير التساؤلات حول مسائل ملكية ودوافع الممسكين بزمام القيادة. وقد تسهم ملكية الأجانب على وجه الخصوص في استقدام الخبرات ورؤوس الأموال التي يحتاجها القطاع بصورة ملحة، ولكن الأرباح سيتم تصديرها وستصبح الملكية موزعة أكثر. أضف إلى ذلك أنها تثير التساؤلات حول ما إذا كان التمويل الإعلاني سيكون كافياً لتلبية احتياجات الإعلام الوطني. وأضاف بيكارد أنه يمكن تطبيق قوانين مختلفة على قطاعات الإعلام المختلفة.

وسواء كان الإعلام سيبقى مملوكاً من قبل الدولة بصورة جزئية أو كاملة، فقد سلط بيكارد الضوء على عدد من النماذج من مختلف أنحاء العالم لضمان التوصل إلى القوانين التنظيمية السليم دون أي تدخل، مثل هيئات الحوكمة. واختتم بيكارد بلمحة موجزة عن الأنظمة الاقتصادية المختلفة لأشكال مختلفة من الإعلام، موضحاً أن تكاليف خلق المحتوى أعلى في التلفزيون، في حين يعد التوزيع الأعلى كلفة في مجال الإعلام المطبوع. كما شدد أيضاً على أهمية الربط بين الدخل الإعلاني للشركات الإعلامية وبين حجم الجمهور، والذي يعد صغيراً للغاية في ليبيا. وبالتالي، فإن تشتيت قطاع الإعلام سيؤثر إلى حد كبير على استقرار كل وسيلة من وسائل الإعلام.

وتعد هذه اعتبارات هامة مثل سياسة الحوكمة التي ستقود دفة توجيه قطاع الإعلام، ما يعني أنه على الحكومة أن تقرر ما إذا كانت تريد بناء إعلام وطني أو إقليمي. ولكل من هذين الخيارين مزاياه وعيوبه، ولكن القرار يبقى في نهاية المطاف بيد الليبيين.

المناظرة

بدأ النقاش بتناول سياسة الترخيص في ليبيا، حيث يتيح ترخيص واحد حالياً الوصول إلى الإذاعة، والصحافة والتلفزيون، وتم الإجماع على أن هذه الطريقة تمنح المرخص له الكثير من الهيمنة.

واتفق الجميع على ضرورة الفصل بين تراخيص الطباعة وتراخيص البث، كما ينبغي أن يطلب من وسائل الطباعة الحالية أن تخضع لعملية تسجيل بسيطة للاعتراف بها.

أما من ناحية البث، فهو يتطلب المزيد من التشريعات نظراً لأن هذا القطاع محصور بالموارد العامة، ولذلك تم الاتفاق على عدم قيام الحكومة المؤقتة باتخاذ قرارات طويلة الأمد. وبكافة الأحوال، سيجري إصدار التراخيص قصيرة الأمد لجعل جهات البث مسؤولة عن المحتوى الذي تقدمه، والوفاء بالالتزامات الدولية.

وتجدد النقاش حول الدور الذي ينبغي على الإعلام الرسمي أن يلعبه في الانتخابات المقبلة، في ظل اقتراحات بأن يتم تشكيل هيئة توجيهية لضمان تمكين جميع الأطراف من الوصول إلى البث. وتم أيضاً التركيز على الدور الذي يمكن للإذاعة أن تؤديه في تقديم عدد وافر من وجهات النظر، في حين تم اقتراح توفير التدريب للصحافيين الشباب كي يتم تزويدهم بالمهارات التي يحتاجونها لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفترة الحاسمة.

ولخص العميد دينيس هذه الجلسة لافتاً إلى أن القضية الرئيسية بدت وكأنها إضفاء الشرعية على الجهات الحالية، ومن ثم المضي قدماً نحو وضع أساس للتنمية المستقبلية من خلال القوانين التنظيمية المناسبة.

Sitemap