الحوكمة الإعلامية

غالباً ما تصدح حناجر الثورات بالهتاف لحرية الصحافة والإعلام عقب سقوط الطغاة، فما المغزى من ذلك؟ وكيف السبيل إلى ضمان هذه الحرية؟

كانت هذه من أبرز القضايا التي تناولها العميد ايفيريت دينيس أثناء افتتاحه للجلسة الأولى بعرض توضيحي عن هذا الموضوع، حمل عنوان «إطار عمل من أجل حرية الإعلام – نماذج الحوكمة لضمان منظومة إعلامية مستقلة».
ولعل النقطة الأكثر أهمية والأجدر بالإدراك، أنه حتى في الدول الديمقراطية الأكثر تقدماً، فإن حرية الإعلام لا تزال مفهوماً فضفاضاً.

وليس سنّ تشريعات حرية الصحافة وتحويلها إلى قانون بنهاية العملية. وهذا ما يوضحه دينيس بقوله: «تواجه منظومة إعلامية تتمحور حول حرية التعبير والإعلام الحر وتسعى إلى أهداف سامية، مجموعة من المشاكل العملية التي تتعلق بتطبيقها. فبناء منظومة جديدة لحرية الإعلام في ليبيا ينبغي أن يبدأ بالتأكيد على ضرورة هذه القضية في المقام الأول».
وأوضح دينيس أربعة أدوار رئيسية ينبغي للإعلام أن يلعبه في الحوكمة:

◆ توفير مصدر للأخبار والمعلومات الدقيقة اللازمة لجمهور مطلع وحكم ديمقراطي
◆ تسهيل المناقشة العامة وصياغة الرأي العام
◆ توجيه ووضع جدول الأعمال للمناظرات العامة
◆ خدمة الأفراد والمؤسسات والمجتمع نفسه

وفي حين تعد حرية الصحافة هدفاً سامياً، بيد أن أبرز أعلامها قد ينساق في بعض الأحيان إلى الحد من جرأته عندما يصبح بحد ذاته عرضة للانتقادات. وأوضح العميد أن هذه الحالات حصلت في أوروبا الشرقية عقب سقوط الشيوعية، وتشير الدلائل إلى أنها تتكرر أيضاً في أعقاب الربيع العربي.

فما هو إذاً الدرب الذي يتعين على ليبيا أن تسلكه؟ قدم العميد أربعة أمثلة عن المنظومات المستخدمة حالياً في أماكن مختلفة من العالم:

◆ الاستبدادية، التي تنطوي على مزيج من محطات الدولة، وتهيمن عليها الملكية الخاصة بصورة وثيقة
◆ الشمولية السوفيتية، حيث يعمل الإعلام في خدمة الدولة وتكون تحت ملكيتها على الأغلب
◆ الليبرالية، والذي يسمح بالحرية المطلقة للكتابة والنشر بالاستناد إلى نظرية طرحها جون ميلتون ومفادها: «حيث تتصارع الحقيقة والباطل، فإن الحقيقة هي التي تسود دائماً»
◆ المسؤولية الاجتماعية، حيث يتم تحديد الحقوق والواجبات سواء في النصوص القانونية أو التقاضي، ويتم تعديل الحقوق المتضاربة مع بعضها البعض.

ومن المحتمل أن يشهد أي من هذه الأنظمة صراعاً ما في مرحلة من المراحل، مثل حق الخصوصية مقابل حق النشر. وعلى ليبيا أن تقرر الدور الذي ستلعبه الحكومة والمؤسسات الأخرى في الفصل في هذه النزاعات.
فكيف بإمكان الحكومة أن تقرر إذاً؟ تماشياً مع مفهوم «المساعي الإيجابية»، امتنع العميد عن تقديم أي توصيات محددة، باستثناء قوله أنه مهما كان نمط المنظومة الإعلامية التي تختارها ليبيا، فإن هذا النمط ينبغي أن يشجع على نمو إعلام قوي ومتنوع ويخضع باستمرار للتقييم المتواصل.

ولكنه وعلى الرغم من ذلك، حذر من الإفراط في القوانين والتشريعات، مقتبساً عن الكسندر بيكيل قوله: «كلما أفرطنا في توصيف الحرية وتحديد ملامحها، كلما قلّت الحرية الفعلية التي نتمتع بها».


المناظرة

انطلق النقاش بعرض توضيحي قدمه خالد نجم الذي شغل منصب نائب وزير الإعلام، واستعرض فيه هيكل مؤسسة في إطار المجلس الوطني الانتقالي: وحظي هذا السيناريو برفض قوي وواسع وسط مخاوف من أن منح السيطرة لشخص واحد أو هيئة واحدة من شأنه الحد من الحرية.

وأعرب العديد من المشاركين عن ميولهم إلى دعم القطاع الخاص، سواء من خلال خصخصة الإعلام العام أو عبر تقديم التمويل العام.

وإجابة على هذه الأسئلة، أكد عبد الحفيظ غوقة أن حرية الصحافة والتعبير عن الرأي سيتم إدراجهما في الدستور الجديد، كما تحدث أيضاً عن ضرورة تنظيم المشهد الإعلامي الحالي. ومن جهة أخرى، شدد غوقة أيضا على ضرورة أن يحظى المجلس الوطني الانتقالي بقناة خاصة لنقل صورة عن عمله وأنشطته.

وتلا ذلك نقاش طويل حول القوانين التنظيمية المحتملة، في ظل تركيز خاص على السبل المثلى لضمان وجود مجموعة متنوعة من أنواع الملكية للسماح للأصوات المتعددة. وقد حظي وجود سلطة قضائية مستقلة بالإشادة الكبيرة باعتبارها الضمان الأساسي لحرية الصحافة.

وطلب من روبرت بيبر توضيح دور لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، التي شغل فيها منصباً بارزاً. وأوضح بيبر أن لجنة الاتصالات الفيدرالية لا تتولى تنظيم المحتوى، ولكنها تعمل بدلاً من ذلك على خلق هيكلية تتنافس فيها المؤسسات والأصوات، في ظل نظام قضائي مستقل للاستماع إلى الشكاوى المقدمة ضد قرارات لجنة الاتصالات الفيدرالية. ويجري أيضاً بذل جهود حثيثة للحفاظ على استقلالية لجنة الاتصالات الفيدرالية.

وساد بين الجميع توافق في الآراء حول وجهة نظر رجل الأعمال رمضان مطوع، التي أوضح من خلالها أن العملاء سيكونون بأنفسهم المنظم الأساسي في نهاية المطاف، إذ أن البقاء سيكون فقط من نصيب المنافذ الإعلامية التي تطبق أعلى المعايير.

وقام العميد دينيس بتلخيص المناظرة، مشيراً إلى وجود توافق عام على إدراج حرية التعبير في الدستور، إلى جانب بعض الاختلاف حول كيفية ضمان الحرية والمحاسبة، وما إذا كان ينبغي للهدف أن يتمثل في التنويع أو التوحيد في حقبة ما بعد الصراع.


 

غالباً ما تصدح حناجر الثورات بالهتاف لحرية الصحافة والإعلام عقب سقوط الطغاة، فما المغزى من ذلك؟ وكيف السبيل إلى ضمان هذه الحرية؟

كانت هذه من أبرز القضايا التي تناولها العميد ايفيريت دينيس أثناء افتتاحه للجلسة الأولى بعرض توضيحي عن هذا الموضوع، حمل عنوان «إطار عمل من أجل حرية الإعلام - نماذج الحوكمة لضمان منظومة إعلامية مستقلة». ولعل النقطة الأكثر أهمية والأجدر بالإدراك، أنه حتى في الدول الديمقراطية الأكثر تقدماً، فإن حرية الإعلام لا تزال مفهوماً فضفاضاً.

وليس سنّ تشريعات حرية الصحافة وتحويلها إلى قانون بنهاية العملية. وهذا ما يوضحه دينيس بقوله: «تواجه منظومة إعلامية تتمحور حول حرية التعبير والإعلام الحر وتسعى إلى أهداف سامية، مجموعة من المشاكل العملية التي تتعلق بتطبيقها. فبناء منظومة جديدة لحرية الإعلام في ليبيا ينبغي أن يبدأ بالتأكيد على ضرورة هذه القضية في المقام الأول». وأوضح دينيس أربعة أدوار رئيسية ينبغي للإعلام أن يلعبه في الحوكمة:

◆ توفير مصدر للأخبار والمعلومات الدقيقة اللازمة لجمهور مطلع وحكم ديمقراطي ◆ تسهيل المناقشة العامة وصياغة الرأي العام ◆ توجيه ووضع جدول الأعمال للمناظرات العامة ◆ خدمة الأفراد والمؤسسات والمجتمع نفسه

وفي حين تعد حرية الصحافة هدفاً سامياً، بيد أن أبرز أعلامها قد ينساق في بعض الأحيان إلى الحد من جرأته عندما يصبح بحد ذاته عرضة للانتقادات. وأوضح العميد أن هذه الحالات حصلت في أوروبا الشرقية عقب سقوط الشيوعية، وتشير الدلائل إلى أنها تتكرر أيضاً في أعقاب الربيع العربي.

فما هو إذاً الدرب الذي يتعين على ليبيا أن تسلكه؟ قدم العميد أربعة أمثلة عن المنظومات المستخدمة حالياً في أماكن مختلفة من العالم:

◆ الاستبدادية، التي تنطوي على مزيج من محطات الدولة، وتهيمن عليها الملكية الخاصة بصورة وثيقة ◆ الشمولية السوفيتية، حيث يعمل الإعلام في خدمة الدولة وتكون تحت ملكيتها على الأغلب ◆ الليبرالية، والذي يسمح بالحرية المطلقة للكتابة والنشر بالاستناد إلى نظرية طرحها جون ميلتون ومفادها: «حيث تتصارع الحقيقة والباطل، فإن الحقيقة هي التي تسود دائماً» ◆ المسؤولية الاجتماعية، حيث يتم تحديد الحقوق والواجبات سواء في النصوص القانونية أو التقاضي، ويتم تعديل الحقوق المتضاربة مع بعضها البعض.

ومن المحتمل أن يشهد أي من هذه الأنظمة صراعاً ما في مرحلة من المراحل، مثل حق الخصوصية مقابل حق النشر. وعلى ليبيا أن تقرر الدور الذي ستلعبه الحكومة والمؤسسات الأخرى في الفصل في هذه النزاعات. فكيف بإمكان الحكومة أن تقرر إذاً؟ تماشياً مع مفهوم «المساعي الإيجابية»، امتنع العميد عن تقديم أي توصيات محددة، باستثناء قوله أنه مهما كان نمط المنظومة الإعلامية التي تختارها ليبيا، فإن هذا النمط ينبغي أن يشجع على نمو إعلام قوي ومتنوع ويخضع باستمرار للتقييم المتواصل.

ولكنه وعلى الرغم من ذلك، حذر من الإفراط في القوانين والتشريعات، مقتبساً عن الكسندر بيكيل قوله: «كلما أفرطنا في توصيف الحرية وتحديد ملامحها، كلما قلّت الحرية الفعلية التي نتمتع بها».

المناظرة

انطلق النقاش بعرض توضيحي قدمه خالد نجم الذي شغل منصب نائب وزير الإعلام، واستعرض فيه هيكل مؤسسة في إطار المجلس الوطني الانتقالي: وحظي هذا السيناريو برفض قوي وواسع وسط مخاوف من أن منح السيطرة لشخص واحد أو هيئة واحدة من شأنه الحد من الحرية.

وأعرب العديد من المشاركين عن ميولهم إلى دعم القطاع الخاص، سواء من خلال خصخصة الإعلام العام أو عبر تقديم التمويل العام.

وإجابة على هذه الأسئلة، أكد عبد الحفيظ غوقة أن حرية الصحافة والتعبير عن الرأي سيتم إدراجهما في الدستور الجديد، كما تحدث أيضاً عن ضرورة تنظيم المشهد الإعلامي الحالي. ومن جهة أخرى، شدد غوقة أيضا على ضرورة أن يحظى المجلس الوطني الانتقالي بقناة خاصة لنقل صورة عن عمله وأنشطته.

وتلا ذلك نقاش طويل حول القوانين التنظيمية المحتملة، في ظل تركيز خاص على السبل المثلى لضمان وجود مجموعة متنوعة من أنواع الملكية للسماح للأصوات المتعددة. وقد حظي وجود سلطة قضائية مستقلة بالإشادة الكبيرة باعتبارها الضمان الأساسي لحرية الصحافة.

وطلب من روبرت بيبر توضيح دور لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، التي شغل فيها منصباً بارزاً. وأوضح بيبر أن لجنة الاتصالات الفيدرالية لا تتولى تنظيم المحتوى، ولكنها تعمل بدلاً من ذلك على خلق هيكلية تتنافس فيها المؤسسات والأصوات، في ظل نظام قضائي مستقل للاستماع إلى الشكاوى المقدمة ضد قرارات لجنة الاتصالات الفيدرالية. ويجري أيضاً بذل جهود حثيثة للحفاظ على استقلالية لجنة الاتصالات الفيدرالية.

وساد بين الجميع توافق في الآراء حول وجهة نظر رجل الأعمال رمضان مطوع، التي أوضح من خلالها أن العملاء سيكونون بأنفسهم المنظم الأساسي في نهاية المطاف، إذ أن البقاء سيكون فقط من نصيب المنافذ الإعلامية التي تطبق أعلى المعايير.

وقام العميد دينيس بتلخيص المناظرة، مشيراً إلى وجود توافق عام على إدراج حرية التعبير في الدستور، إلى جانب بعض الاختلاف حول كيفية ضمان الحرية والمحاسبة، وما إذا كان ينبغي للهدف أن يتمثل في التنويع أو التوحيد في حقبة ما بعد الصراع.

Sitemap