بحثاً عن الحكم الرشيد

انه لمن دواعي سروري أن أتواجد معكم اليوم لمناقشة منظومة إعلامية حرة ومستقلة لليبيا الجديدة. وصحيح أن الثورة الليبية المباركة كانت ثالث ثورات الربيع العربي، ولكنها تعد بنظري الثورة الأكثر أهمية، إذ كانت الأمور أسهل لثورتي تونس أو مصر. ففي تلك البلدان تربع الحكام على عرش السلطة لفترة طويلة ولم يرغبوا بتركه على الإطلاق، وربما كانوا يعتزمون أيضاً نقل العرش إلى ورثتهم وكأن شعوب هذه البلدان لم تكن من البشر ويمكن توريثها كقطعان الماشية. ولكن بفضل شباب هذه البلدان، وقف الناس بحزم وقوة في ساحات بلادهم، مطالبين بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.وفي مصر، انتهت كل الأحداث في غضون 18 يوماً بخسائر محدودة، بيد أن جميع من سقطوا هم شهداء ضحوا بأنفسهم في سبيل قضية نبيلة. ومن جهة أخرى، كانت ليبيا هي البلد الوحيد في هذا الربيع العربي الذي يشهد سقوط مئات القتلى ودارت فيها رحى حرب حقيقية على أرض الواقع.

لقد زرت ليبيا لمرات عديدة مع وزراء الخارجية العرب في السبعينات من القرن الماضي، ولكنني لم أزرها مجدداً حتى قبل ثلاث سنوات، حيث توجهت إليها بناء على دعوة من نقابة المحامين الليبيين. وخلال وقت فراغي قمت بالتجول في الشوارع محاولاً العثور على أية صحيفة بأي لغة كانت سواء العربية أو الإنكليزية أو الفرنسيةـ لكنني لم أجد شيئاً سوى المطبوعات التي يصدرها القذافي في مديح نظامه.


وذهلت لرؤية كيف يمكن لبلد في القرن الحادي والعشرين أن يعجز عن تزويد شعبه بوسيلة لمعرفة الأحداث التي تجري في عالمهم، كما دهشت لرؤية لوحات الشوارع الإعلانية التي تقول: «41 ليس عدداً، بل هو حياة»، أو «الكتاب الأخضر منارة للعالم». وكان ذلك كله غير قابل للتفسير بالنسبة لي وتسبب لي بالحزن الشديد، إذ كان من العار رؤية الليبيين يعيشون على هذا الشكل منذ أربعة عقود. ولكن عندما ننظر إلى المستقبل ونسأل أنفسنا: «ماذا تريد شعوب العالم العربي؟»، فالإجابة غاية في البساطة: إن العرب في القرن الحادي والعشرين لا يريدون سوى شيء واحد هو الحكم الرشيد. أي الحكم الذي يحدد السلطات بشكل واضح، سواء كانت التنفيذية أو التشريعية أو السلطة القضائية المستقلة، والسلطة الرابعة وهي الإعلام. فالسلطة الرابعة التي تتمتع بقدر جيد من الاستقلالية بوسعها أن تنتقد وتحاسب، ولا يقتصر دورها فقط على عرض الحقائق.


وكلي أمل أن نرى قريباً انتخابات حرة في ليبيا، والتي قد تشكل خطوة البداية للعملية الديمقراطية. وللأسف، لم يكن بوسعنا أن نقول بأن وسائل الإعلام العربية قد شهدت صحوة حتى مرحلة قريبة فقط، فصحيح أن وسائل الإعلام موجودة عندنا منذ فترة طويلة تعود إلى القرن التاسع عشر، لكن الإعلام بمعناه الحديث وخاصة وسائل الإعلام الإلكترونية والمرئية والمسموعة والتي تصل إلى جمهورها بشكل أسرع من وسائل الإعلام المطبوعة، شهدت مسيرة تقدم بطئ. فهذا الإعلام يتسم بأهمية كبيرة للديمقراطية لأنها تعد بمثابة مراقب غير رسمي لأداء الحكومة. وإذا نظرنا إلى العالم الغربي، بوسعنا أن نرى أن الانتقادات الأكثر فعالية تأتي من وسائل الإعلام، وتليها الهيئات الحكومية التي يقودها هذا النقد للبحث والتحقيق وإجراء التحسينات. ولهذا السبب، تتسم وسائل الإعلام المستقلة بأهمية أكثر من محورية، وعلينا كذلك أن نتعلم من دروس الماضي لتفادي الوقوع في الأخطاء نفسها.

Sitemap