وضع الإعلام الليبي


يشهد قطاع الإعلام في ليبيا أكبر التغيرات الجوهرية في تاريخ البلاد. وفي ضوء النقلة النوعية التي يخوضها القطاع من حكم ديكتاتوري استمر أكثر من أربعة عقود وثورة دموية وملهمة في الوقت نفسه، فليس من قلة التقدير أن نقول إذاً أن تطوير الإعلام التقليدي والجديد سيكون واحدة من أهم الخطوات الأساسية اللازمة في مسيرة إقامة دولة ديمقراطية وسلمية مزدهرة.


لعبت وسائل الإعلام الدولية دوراً محورياً في نجاح ثورة 17 فبراير، إذ ساعدت في حشد الدعم من دول حلف شمال الأطلسي والبلدان العربية، ما شكل عاملاً رئيسياً في كسب الاعتراف الدولي بالمجلس الوطني الانتقالي، فضلاً عن الدعم العسكري والاقتصادي.



وفي ظل نظام القذافي، كانت وسائل الإعلام تتميز بالمركزية إلى حد كبير حيث كانت معظم الاستوديوهات والمكاتب في طرابلس، الأمر الذي حرم الثوار من الوصول إلى الإذاعة والتلفزيون الرسميين. وكانت الجزيرة القناة المفضلة لدى المجلس الوطني الانتقالي عندما أراد التواصل مع الليبيين. وكان إنشاء قناة «ليبيا الأحرار» التي تبث من الدوحة، وتعد أول قناة ليبية الحرة يتم نقل بثها على القمر الصناعي المهم «نايل سات»، جنباً إلى جنب مع «ليبيا الحرة»، أول قناة تبث من ليبيا الحرة (بنغازي)، والتي اجتذبت المشاهدين وحققت الكثير من المساهمات الهامة.


وتمثل الازدهار الفوري لوسائل الإعلام الليبية الجديدة في الصحافة في بنغازي، حيث برزت أكثر من 100 صحيفة ومجلة خلال الثورة، عمل بها متطوعون من الشباب المتحمسين أصحاب التجربة الضئيلة أو المعدومة، والتي سهلت بروزها الطباعة المجانية. وكانت قنوات التوزيع ضعيفة، وتمكن عدد قليل فقط من المنشورات من بناء اسم واضح وجمهور وفي يتابعها باستمرار، ولكن روح الذين أقدموا على هذا المسار المهني الجديد كانت تضاهي بأهميتها أهمية المنتج الذي قدموه. وتمتع الناس بحرية كتابة ما يشاءون، وانتهزوا هذه الفرصة بكل ما أوتوا من قوة.


وعقب تحرير طرابلس ومقتل القذافي، توسع الإعلام في ليبيا في عدة اتجاهات، في ظل تدخل أو دعم قليل من المجلس الوطني الانتقالي. وفي حين ينبغي الإشادة باستقلال الإعلام، فهناك عدد من القرارات الهيكلية والسياسات التي يتعين اتخاذها من أجل حل عدد متزايد من القضايا المعقدة.


فأولاً، تعمل وسائل الإعلام اليوم في فراغ قانوني، حيث يجري تجاهل القانون رقم 76 الذي يضم أحكام إنشاء الصحف والمجلات الخاضعة لسيطرة الحكومة تجاهلاً تاماً. ونتيجة لذلك، تتمتع وسائل الإعلام بالحرية التامة في غياب للقوانين أو اللوائح التي تحدد معايير أو فئات الترخيص، وغياب إطار قانوني لمن يقومون بالقذف أو التشهير. انتشرت وسائل الإعلام بكل بساطة، دون أي توجيهات من المجلس الوطني الانتقالي حول ما هو متوقع أو ما يسمح به.


وثانياً، ترك الفراغ القانوني دور الحكومة وعلاقتها بوسائل الإعلام المملوكة للدولة أو القطاع الخاص، بصورة ضبابية غير واضحة. ففي ظل نظام القذافي، خضعت وسائل الإعلام لرقابة صارمة تحت مظلة مؤسسات إعلام مختلفة: من أجل التعامل مع الإعلام الأجنبي، من أجل «تعزيز» الصحافة، والثقافة، وغيرها من المهام. وتجاوز عدد موظفي الدولة في قطاع الإعلام 6000 موظف، لم يعد العديد منهم إلى العمل أو يجلسون ببساطة في مكاتبهم دون القيام بأي عمل. ولعل الحكومة الجديدة ستحتاج إلى دراسة وتقييم دور هؤلاء الموظفين ودمجهم في منظومة جديدة لن تهيمن الدولة عليها نفس الهيمنة الكاملة كما سبق. وقد يجد الكثيرون أنفسهم في وظائف غير وظائفهم القديمة. وفي سياق مماثل، يتم تمويل قناة التلفزيون الحكومي، «تلفزيون ليبيا»، وصحيفة «فبراير» من أموال الحكومة، مما يعطيها ميزة أفضل عن المحطات الخاصة.


وتجدر الإشارة إلى أن الندرة الحالية للقوانين الناظمة للإعلام والمؤسسات القائمة، تفرض العديد من التحديات على ليبيا، ولكنها توفر أيضاً فرصة مهمة لوضع إطار عمل يمكن للإعلام من خلاله أن يلعب دوراً محورياً ومنتجاً في مجتمع ديمقراطي قوي، وكذلك في اقتصاد القرن 21 المزدهر.

Sitemap