مسيرة يومين من التقدم


للوهلة الأولى، قد يبدو أي حديث عن مبادئ حرية الإعلام بمثابة خطاب روتيني متوقع. وبكافة الأحوال، أليست حرية الإعلام ركناً أساسياً من الديمقراطية، ومسألة متفق عليها على مستوى العالم؟
ولكن الإجابة التي يتردد صداها هي «كلا»، وذلك وفقاً لما تشير إليه استطلاعات حرية الإعلام حول العالم. فبعض الدول المدرجة على قائمة الإعلام «غير الحر» المرموقة والصادرة عن «البيت الحر»، تضم على سبيل المثال دساتير تضمن حرية الإعلام وتزعم أنها تتمتع بهذه الحرية أيضاً.

وبالنسبة لليبيين المشاركين في مؤتمر «جامعة نورثويسترن في قطر»، كانت حرية الإعلام نقطة اتفق عليها الجميع بصورة مجردة، ولكن دون أية صيغ محددة. فالوفد المشارك لم يكن مؤلفاً من خبراء إعلاميين أصحاب تجارب طويلة في وضع مبادئ حرية الإعلام، ولا في إيجاد سبل من شأنها حماية هذه الحرية. بل أنهم كانوا بالتحديد مجموعة تمثيلية من المواطنين الحريصين والمعنيين والذين نادراً ما ينخرطون في هذا المجال. وتضمنت قائمة هؤلاء المشاركين ثلاثة محامين ومهندساً في الزراعة ومهندس اتصالات وقادة أعمال وممثل ومخرج وصحفي إذاعي وأخصائي طيران وطاقة ومحاضرين جامعيين وعدداً من المنسقين الإعلاميين وغيرهم. ولقد لعبوا جميعهم دوراً في الثورة، حيث ساهم البعض في إدارة المدافع وتوجيه الضربات الصاروخية، في حين شارك آخرون في التنسيق مع وسائل الإعلام الدولية وفي جهود الإغاثة.
واتفق الجميع على ما وضعه أحد المؤتمرين في عبارة مفادها: «علينا أن نبقى أوفياء للشباب الذين قادوا هذه الثورة واستشهدوا فيها».


وفي حين جاء نضال واستشهاد هؤلاء الشباب في سبيل الإطاحة بالنظام واستبداله بنظام أفضل، فقد قيل أيضاً أنه جاء سعياً للحصول على صحافة حرة وإعلام مستقل، وهو ما سعى إليه المؤتمرون أنفسهم أيضاً. وإبان خروجهم من 40 عاماً من القمع، والأمثلة القليلة للإعلام المحلي المستقل إلى أن اندلعت الثورة، صرح أفراد المجموعة بشفافية بأنهم: «لا يعرفون الكثير حول الإعلام، وأنهم جاءوا ليكتسبوا مزيداً من المعلومات».


ومن خلال المؤتمر الذي أقيمت فعالياته على مدار يومين بمساعدة من خبراء خارجيين، تحاورت المجموعة حول كل مبدأ من المبادئ الواردة في بيان المبادئ. وتميزت الحوارات بطابعها الساخن حيث استغرقت بعض الحالات عدة ساعات للتوصل إلى إجماع، بيد أن النتيجة النهائية ستبدو واضحة للعيان حتى ولو كانوا بعيدين عن هذه المشاورات.
ونبين فيما يلي بعض المبادئ التي أثمر عنها الحوار:


– يجب أن تحظى ليبيا بمنظومة إعلامية واتصالاتية حرة ومفتوحة ومستقلة. ومن شأن هذا المبدأ أن ينتقل بليبيا من الإعلام الذي تملكه الدولة وأن يسهم في تمكين الإعلام المستقل، رغم أن الحكومة التي تتولى حالياً مقاليد الحكم قد تنجذب بسهولة إلى إبقاء وسائل الإعلام التي تمتلكها الدولة وتتحكم بها تحت سيطرتها بالكامل، بما أنها حالياً في كرسي السلطة. وكانت هذه إحدى المشاكل التي استغرق حلها سنوات طويلة في البلدان الأخرى التي مرت بفترات انتقالية بين الحكم الاستبدادي والحرية.


– يجب السماح بالإعلام الخاص في ليبيا وتشجيعه. والتي كانت نتيجة بارزة في ضوء بعض الآراء التي سادت عند انطلاق المؤتمر، فالبعض كانوا يرغبون بترتيبات شبه حكومية موثوقة، أو بإعلام جماهيري فقط، بينما فضل البعض الآخر أن تحتفظ الحكومة الجديدة بملكية أبرز الوسائل الإعلامية.


– الجهة التنظيمية الحكومية في ليبيا جهة تنظيمية مستقلة، الأمر أن تصبح الذي من شأنه الحد من الفوضى في المنظومة الحالية، وتكليف الجهة التنظيمية المستقلة بالمسائل التقنية التي تتسم بأهمية محورية لكافة منظومات الاتصال. ومن المهم في ذلك، أن الجهة التنظيمية ستتوقف عن العمل على المحتوى.


– أن يتم الحد من التحكم بالمحتوى. أي قبول مبدأ إلغاء القيود المسبقة وإتباع منظومة من قوانين الإعلام المشابهة لقوانين البلدان الأخرى فيما يخص مراجعة المحتوى وغير ذلك من المخاوف.


– أن يتم تحويل الإعلام التابع للدولة ليصبح إعلام مستقل، ما يعني دوراً محدوداً لجهة البث الحكومية، وربما محطة واحدة أو اثنتين يتم تشغيلهما كخدمة يثق بها الجمهور على غرار «بي بي سي» أو المحطات المخصخصة. وتعد هذه من أحد التوصيات المهمة التي توصلت إليها المجموعة بعد ساعات من الحوار والتفاهم حول دور ونطاق الإعلام الحكومي الذي تتولى مسؤوليته المجموعة حالياً.


– يجب أن يكون هناك نظام متقدم يعنى بالتعليم والتدريب الصحافي. وذلك انطلاقاً من إدراك أهمية التعليم الصحافي لقيام منظومة إعلامية ديمقراطية وهو مبدأ لا يتوفر تقريباً في بقية أنحاء العالم، وأن التعليم والتسويق الصحافي ينبغي تطويره وتنظيمه وفقاً لنموذج منتظم. ويتسم هذا المبدأ بأهمية كبيرة في دولة كان فيها التدريب الإعلامي يفتقر للتخطيط والتنظيم ويعتمد على الأغلب على المجموعات الخارجية التي تعمل على طريقتها الخاصة، وحيث يحتاج التعليم الصحافي في الجامعات إلى عملية تجديد وتحديث كاملة بعد تأثير حكومي استمر لمدة 40 عاماً.


وجاء السياق الذي تم فيه الإعلان عن هذه المبادئ أشبه إلى «تنظيف علية قديمة»، كما وصفها أحد الحاضرين في الندوات، إذ ينبغي أولاً «جرد محتويات هذه العلية ومن ثم تقرير ما ينبغي فعله بها». وبالنسبة للوفد الذي يعد طرفاً من الحكومة وقطاع الإعلام الليبي المسؤول عن إدارة أصول الإعلام الحكومي بما فيه من (محطات تلفزيونية، وإذاعية، ومجلات وصحف، إضافة إلى 6000 موظف فيها)، فإن هذه الخطوة تشكل دون شك تحدياً قاسياً لا يستهان به.
وبدوره، أوضح روبرت بيكارد من أكسفورد وهو أحد الخبراء الخارجيين في إجابة مختصرة عن سؤال يستفسر عما بإمكان ليبيا فعله، وجود ثلاثة احتمالات حيث قال: «بوسعكم ترك الأمور على حالها، أو إقامة شكل من أشكال الإعلام الجماهيري العام، أو خصخصة القطاع». وأضاف لاحقاً بقوله أنه بالإمكان إيجاد سبيل يجمع الأنواع الثلاثة مع بعضها البعض.


ولقدرتها على التوفيق بين هذه الخيارات مجتمعة، والتفكير بصورة أوسع بالمستقبل وإطار عملها، جاءت «الرؤية الإعلامية» لليبيا كإحدى النتائج المهمة وغير المتوقعة التي أثمر عنها المؤتمر. وهذا ما أعرب عنه أحد المؤتمرين بقوله: «لم نكن نمتلك لدى قدومنا هنا سوى بعض المعارف القليلة، وتلقينا لاحقاً دروساً متقدمة وفرت لنا القاعدة التي تتيح لنا طرح وترتيب وجهات نظرنا الخاصة».


ومن الجدير بالذكر، أن «إعلان المبادئ» فاق إلى درجة كبيرة توقعات منظمي المؤتمر. إذ كنا نأمل بداية وجود شكل من أشكال الإجماع حول الأفكار المستقبلية القديمة، ولكن هذا الإعلان قطع أشواطاً أطول عبر الاختيار الصريح للحلول الواضحة واستسقاء القيم التي ساهمت في تعزيز حرية الإعلام في أرجاء أخرى من العالم.


وغادر أفراد الوفد المؤتمر مفعمين بالحماس والاندفاع حيال الجهود التي بذلوها في هذا الحدث، ومدركين بالكامل لحقيقة أن النتائج طويلة الأمد ستتوقف على نمط الحكومة التي ستنتخبها ليبيا، والبرلمان الذي سيعمل على ترجمة «الرؤية الإعلامية» على أرض الواقع.

Sitemap